فخر الدين الرازي

73

تفسير الرازي

قال قومه : * ( أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) * ( البقرة : 67 ) فأعطاه الله خلعتين إزالة التهمة وإحياء القتيل فقال : * ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ) * ، ( البقرة : 73 ) الخامس : أن القوم لما خوفوه بالقتل قال : * ( وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون ) * ( الدخان : 20 ) وقال في آية أخرى : * ( إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) * ( غافر : 27 ) فأعطاه الله تعالى مراده فأفنى عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم ، والسادس : أن أم مريم قالت : * ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) * ( آل عمران : 36 ) فوجدت الخلعة والقبول وهو قوله : * ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً ) * ( آل عمران : 37 ) والسابع : أن مريم عليها السلام لما رأت جبريل في صورة بشر يقصدها في الخلوة قالت : * ( إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ) * ( مريم : 68 ) فوجدت نعمتين ولداً من غير أب وتنزيه الله إياها بلسان ذلك الولد عن السوء وهو قوله : * ( إني عبد الله ) * ( مريم : 30 ) الثامن : أن الله تعالى أمر محمداً عليه الصلاة والسلام بالاستعاذة مرة بعد أخرى فقال : * ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ، وأعوذ بك رب أن يحضرون ) * ( المؤمنون : 98 ) وقال : * ( قل أعوذ برب الفلق ) * و * ( قل أعوذ برب الناس ) * والتاسع : قال في سورة الأعراف * ( خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين وأما ينزغنك الشيطان نزغ فاستعذ بالله أنه سميع عليم ) * ( الأعراف : 200 ) وقال في حم السجدة : * ( إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) * ( فصلت : 34 ) إلى أن قال : * ( وأما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) * فهذه الآيات دالة على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا أبداً في الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن . وأما الأخبار فكثيرة : الخبر الأول : عن معاذ بن جبل قال : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم وأغرقا فيه : فقال عليه السلام : " إني لأعلم كلمة لو قالاها لذهب عنهما ذلك ، وهي قوله : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وأقول هذا المعنى مقرر في العقل من وجوه : الأول : أن الإنسان يعلم أن علمه بمصالح هذا العالم ومفاسده قليل جداً ، وأنه إنما يمكنه أن يعرف ذلك القليل بمدد العقل ، وعند الغضب يزول العقل ، فكل ما يفعله ويقوله لم يكن على القانون الجيد ، فإذا استحضر في عقله هذا صار هذا المعنى مانعاً له عن الإقدام على تلك الأفعال وتلك الأقوال ، وحاملاً له على أن يرجع إلى الله تعالى في تحصيل الخيرات ودفع الآفات ، فلا جرم يقول أعوذ بالله . الثاني : أن الإنسان غير عالم قطعاً بأن الحق من جانبه ولا من جانب بخصمه ، فإذا علم ذلك يقول : أفوض هذه الواقعة إلى الله تعالى ، فإذا كان الحق من جانبي فالله يستوفيه من خصمي ، وإن كان الحق من جانب خصمي فالأولى أن لا أظلمه "